بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

(مُقَدِّمَةُ السِّلسِلَةِ)

اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمواتِ، وَمِلْءَ الأرضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بَعْدُ! اللَّهُمَّ لَكَ الحَمدُ يَا مَنْ أَرْسَلْتَ كلِّ رَسُولٍ بِلِسانِ قومِهِ ليُبيِّنَ لَهُمْ؛ فقلت في محكم كتابك: }وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُم{(1)، وَالصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا مُحَمَّدٍصلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وسلِّمَ، معلِّمِ البَشَرِيةِ الخَيْرَ، والرَّحْمَةِ المهداةِ، مَنْ جَعَلَهُ اللهُ تعالى بِالمُؤمنينَ رؤوفاً رحيماً، وعلَّمَهُ أن يُخَاطِبَ النَّاسَ بِلسانِهِم وعلى قَدْرِ عقولِهِم وأفهامِهِم، فكان صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-يخاطبُ العرب بِلَهجاتِهِم. وَمِنْ ذلكَ مَا رواهُ الإِمَامُ أحمدُ في مسندِهِ عنْ كعبٍ بنِ عاصم الأشعريِّ، أنَّه جاءَ أعرابيٌّ إلَى النّبي صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- فسألَهُ بِلَهْجَتِهِ التي يتكلَّمُ بها قومُهُ: “هَلْ مِنِ اْمبرٍ امْـصِيامٌ في امْـسَفَرْ”(2)، فأجابَهُ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: ِ

((“ليسَ مِنَ اْمْبِرْ امْـصِيامٌ في امْـسَفَرْ”(3))). والمعنى أَنّ الأعرابيّ سأل الرّسول صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: “هل من البرّ الصّيام في السّفر؟” فأجابه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بِلَهْجَتِهِ التي يفهمها: “لَيسَ من البِرِّ الصِّيامُ في السَّفرِ”.

أمَّا بعدُ:
لمّا وجدنا في بلادِنا وفي الكثيرِ من البلادِ الإسلاميّةِ، انتشارَ المدارسِ الأجنبيَّةِ والإرساليّاتِ الغربيَّةِ، وهي تحاولُ ابتكارَ وسائلَ حديثةٍ تقدِّمُ من خلالِها المادَّةَ العلميَّةَ لطلاّبِها بأسلوبٍ شائقٍ وإخراجٍ منمَّقٍ يفتحُ شهيَّةَ الطالبِ إلى العلمِ، ولمَّا كان اللهُ تعالى قد أمرَنا بإتقانِ العملِ، ووَعَدَ من فَعَلَ ذلك بنيَّةٍ خالصةٍ بمحبَّته، حيثُ قال صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: “إنّ اللهَ تعالى يحبُّ من العبدِ إذا قامَ بعملٍ أن يُتقِنَهُ”(4).

فإنّا استخرْنَا اللهَ تعالى أنْ يوفِّقنا وأن يُعينَنَا على تأليفِ سلسلةٍ للتَّعليمِ الدّينيِّ، لتكون من صفِّ الحضانةِ إلى الثَّالثِ الثَّانويِّ، بحيث تخاطبُ أبناءَنا وتجيب عن أسئلة الطلاّبِ في البلادِ الإسلاميَّةِ، والطّلاّبِ المسلمينَ في شتّى بقاعِ الأرضِ، على أنْ تكونَ من حيثُ الإخراجُ والأساليبُ التَّربويةُ، تضاهي أفضلَ ما وجدناهُ في الكتبِ المُعدّةِ للطلابِ بشتَّى العلومِ والمعارف وفي شتَّى الدُّوَلِ العربيَّةِ والغربيَّةِ.

أمّا من حيثُ المضمّن، فهو منهجُ سَلَفِنا الصّالحِ رضوانُ اللهِ تعالَى عليهم لا نحيدُ عنهُ قيدَ أُنْمُلَةٍ، فإنّه صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ-أوصانا بِقولهِ: ((“…فَإنَّه من يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكُم بسنّتِي وسنّةِ الخلفاءِ الرّاشدينَ المهديّينَ تمسَّكوا بها، وعضُّوا عليها بالنَّواجِذِ))”(5). فنسألُ اللهَ تعالى أنْ يجعَلَنَا مِمَّن وُفِّقَ لِذلكَ.

وبما أنّه لا يصلُحُ أمرُ هذهِ الأمّةِ إلاّ بما صلَحَ بِهِ أوَّلها، فقد أثرينا هذهِ السِّلسلةَ بِإبرازِ أركانِ الدّينِ الثّلاثةِ: الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، حيثُ إنَّنا وجدْنا أنَّ كثيراً مِنَ الكتبِ قدْ انفرَدَ في التَّركيز على أركان الإِسلام، وكتباً أُخرى رَكَّزَتْ على أركان الإسلامِ والإيمانِ، لَكنَّها أهملَتْ جانبَ الإحسانِ بُركنَيْهِ (المشاهدةِ والمراقبةِ) أي: ((أنْ تعبُدَ اللهَ كأنَّكَ تراهُ، فإنْ لم تكنْ تراهُ، فإنَّهُ يراكَ.))(6).

وكان حِرْصُنا، في هذهِ السّلسلةِ، على أن نزرعَ في قلوبِ أولادِنَا حبَّ الله تعالى، وحبَّ رسولِهِ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، مُسَلِّطينَ الضَّوْءَ على قلوبهِم الطّاهرة لتستشعر تعظيمَ اللهِ تعالى ومحبَّتِهِ ومراقبتَه ولتنطلق أَرْواحهم الطَّيِّبة ساعيةً إلى التَّعرف على الله تعالى في كلِّ شؤونِ حياتِهِم، رابطةً ذلك كلّه بأسمائِهِ الحسنى وصفاتِه العُلْيَا، حتَّى تُصبِحَ حياتهم كلُّها عبادةً له جَلَّ وعلا، تطبيقاً لقوله سبحانه: {وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلاّ ليعبدون}(7). وحتّى يقرأوا الكَوْنَ بأسمائه الحسنى كما أمرنا الله تَعالى بقوله: {اقرأ بسم ربِّك الَّذي خلق}(8).

ونحنُ لا ندّعِي، في عملِنا هذا، أنَّنَا قد وصلْنا إلى الكمالِ بل نسأل الله تعالى مغفرته وعفوه وعونه ورضاه وأن يعاملنا باسمه الجبّار فيجبر كل نقص في هذه السلسلة ويستر كلّ عيب فيها، بحيث لا يصل إلى قلوب القارئين إلاّ ما يحبّه الله تعالى ويرضاه. ونحن إذ نقرّ بتقصيرنا، وبما شابَ نيّاتنا ما اللهُ تعالى أعلمُ بهِ مِن نقصٍ وعيبٍ، نعرف أنه كلّما أخْرَسَنَا لُؤمُنَا، أنطقَنَا كَرَمُهُ سبحانَهُ وتعالى، وكلّما آيسَتْنا أوصافُنا، أطمعَتْنَا منَنُه تعالى. وقد طمعنَا بقولِ سيّدي ابن عطاءِ الله السَّكندري: “لو أنّكَ لا تصلُ إليهِ إلاّ بعد فناءِ مساويِك ومَحْوِ دعاويك، لم تصلْ إليه أبداً، ولكنْ إذا أراد أن يوصِلَكَ إليهِ، غطّى وصفَكَ بوصفِهِ،ونعتَك بنعتِهِ فوصلَكَ إليه بما منه إِليك،لا بما منكَ إِليهِ”(9).

فنسألُ اللهَ تعالى الهاديَ الفتّاحَ أن نكونَ مِمَّنْ أُذن لهم في التَّعبير؛ فَتُفْهمَ في مسامعِ الخلقِ عباراتُنا وتُجلى إليهم إشاراتُنا، وأن يباركَ الله تعالى في هذه السِّلسلةِ كما بارَكَ بالكتابَيْنِ: رياضِ الصّالحين والأذكارِ للإمام النّووي؛ بحيثُ لا يكادُ يخلو بيتُ مسلِمٍ عربيٍّ أو أَعْجَميٍّ من هذين الكتابَيْن أو من ترجمتهما. ونسألُ اللهَ تعالى كما بارَكَ في كتبِ هذا الإمام الرّبّاني المُخلِصِ، أن يبارِكَ في هذه السِّلسلةِ ويجعلَ كُتُبَها في بيتِ كلِّ مسلمٍ عربيٍّ أو أعجميٍّ مع كمالِ الانتفاعِ بِهَا وتَطْبِيقِهَا على مدى الأجيالِ والأزمانِ، فتكون هذه السِّلسلةُ كلمةً طيبةً أصلها ثابت وفرعها في السّماء تؤتي أكلها في كلّ حين في إعداد أجيال هذه الأمة، كما وعَدَنا رسولُ الله صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ بقوله: ((إنَّ مَثَلَ أمَّتي مَثَلُ المطرِ لا يُدرى أَوَّلُه خيرٌ أَوْ آخرُه”(10)))،كما نسألُهُ تعالى التّوفيقَ والقبولَ.

والجديرُ بالذِّكرِ أنَّ هذِهِ السِّلسلةَ لا تبتغي الرِّبحَ والتّجارةَ مع الخلقِ، فقد قامت على التبرُّعات بنيّة “علمٍ يُنتفع به”، إنَّمَا نرجو من خلالها رضوانَ الله تعالى وقبولَه. وحرصاً منَّا على تقويم أيّ خللٍ أو سَهْوٍ، عَزَمْنَا بتوفيقِ الله تعالى ومعونَتِهِ أن نُبْقِيَ فريقاً من العملِ جاهزاً لتصحيح إصداراتِ هذه السِّلسلةِ وتحسينِها، ولو أخذَ ذلك مِنَّا سنوات عديدة، وهنا يحضرُنا الإمامُ مالك,رضي الله عنه, الَّذي بقي زُهاءَ ثلاثينَ سنةً يعملُ على كتابهِ (الموطَّأ)، ولمّا قيل له: يا إمام، قد سبقك قومٌ بدَؤُوا بعدك وانتهُوا قَبْلَكَ، أجابَ: “ما كان لله يبقى”، وبقي (الموطَّأُ) إلى يومِنا هذا، وبقيَ الانتفاعُ بهِ على مدى الأجيالِ، أمّا تِلْكَ الكتبُ الأخرى فاندثرت ولم يبقَ لها أثرٌ، اللّهُمَّ اجعلْ هذهِ السِّلسلةَ لكَ حقّاً وحقيقةً، وأيِّدها بمعونتِك وهدايتِك وتوفيقِك وبارك فيها و?نفعْ بِها.

وكما روى سيدنا ابن عبّاس? رضي الله عنهما? قال: “لمّا فَرَغَ سيّدُنا إبراهيمُ من بناء البيت قال: ربِّ قد فرغت، فقال: “وأَذِّنْ في النّاس بالحَجِّ” قال: ربِّ وما يَبْلُغُ صَوْتي؟ قال: أَذِّن وعليّ البلاغ” ((11). وفي هذه السِّلسلة نقول: اللَّهم كما أَذِنْتَ لنا في بدء تأليفِ هذه السِّلسلة، وَفِّقنا في تَتِمَّةِ تَأليفِها ونشرها، وبلّغها قلوب عبادك وأرواحهم كما بلّغت نداء سيدنا إبراهيم عليه السَّلام. وانْفع بها كما نَفَعْتَ بنداءِ سيِّدنا إبراهيم عليه السَّلام? واجعلِ المسلمينَ في مشارِقِ الأرض ومغارِبِها على مدى الأزمانِ والأجيالِ يتربّون عليها وينهلون منها، فتحيا بها قلوب، وتستنير بها دروب، وتزكو بها نفوس من العُيوبِ، ما دام ماءُ زمزمَ شِفاءً وتحقيقاً لِكُلِّ مَطْلوبٍ، وما دامَ بيت الله مقصوداً ومحبوباً، بإذن الله علاّم الغيوب.

اللهم، لقد نبّأنا حبيبك محمَّد صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن فتنةٍ تدخل بيتَ كلِّ مسلم، ونحن في زمانها، فنسألك اللَّهُمَّ بأسرار }بسم الله الرَّحمن الرَّحيم{ وبمعاني ” لا حَوْل ولا قُوَّة إلاّ بالله” وبتأييد توفيق{وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى}(12) وبهداية أنوار {الله نور السَّماوات والأرض}(13) أن تجعل هذه السِّلسلة نوراً يدخل بيت كل مسلم يطفئ هذه الفتنة ثمّ تتمّم هذا النّور، يا من قلت {والله مُتِمُّ نورِهِ ولو كَرِهَ الكافِرون}(14) وما ذلك على الله بعزيز.

وصلّى اللهُ وسلَّمَ على سيِّدِنا محمَّدٍ صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ القائل : ((“إنَّ هذا الخيرَ خزائنُ، ولتلكَ الخزائنِ مفاتيحُ فمفاتيحُه الرجالُ، فطوبى لعبدٍ جعلَهُ اللهُ مِفتاحاً للخيرِ، مِغلاقاً للشَّرِّ، وَوَيْلٌ لِعَبْدٍ جعلَهُ اللهُ مِفتاحاً للشَّرِّ، مِغلاقاً للخيرِ”(15))).

سبحانَ ربِّكَ ربِّ العزّةِ عمّا يصفون، وسلامٌ على المرسلينَ والحَمْدُ ِللهِ ربِّ العالمين.

(1) سورة إبراهيم:4
(2) يقول الأعرابي بلهجته ما معناه “هل من البر الصيام في السفر” فأجابه -صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- بلهجته وبالطريقة التي يفهمها.
(3) رواه الإمام أحمد عن كعب بن عاصم الأشعري، الجزء 22، رقم الحديث(14991)، مؤسسة الرسالة، بيروت-لبنان.
(4) أخرجه البيهقي في الشعب عن عائشة -رضي الله عنها-.
(5) رواه أبو داود عن العرباض بن سارية -رضي الله عنه-، حديث رقم (4607)، كتاب السُّنة، باب في لزوم السُّنة.
(6) رواه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، حديث رقم (50)، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي -صلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ- عن الإيمان والإسلام والإحسان وعلم الساعة.
(7) الذاريات:56
(8) سورة العلَق:1
(9) الشرنوبي، عبد المجيد، شرح الحكم العطائية، تعليق: عبد المجيد البزم، دار ابن كثير، دمشق _ بيروت، ط2، 1410 هـ _ 1989م، ص 103.
(10) رواه أحمد عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-، حديث رقم (13327).
(11) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/388 – 389) وقال حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرجاه.
(12)سورة الأنفال، الآية: 17.
(13) سورة النور، الآية: 35.
(14)سورة الصف، الآية: 8.
(15) رواه ابن ماجه عن سهل بن سعد -رضي الله عنه-، حديث رقم (238)، كتاب السُّنة، باب من كان مفتاحاً للخير.